السيد محمد حسين الطهراني

246

معرفة الإمام

أو المناطق الاستوائيّة . ثمّ إنّهم ، بعد مقام التوحيد وبلوغ الفناء والاندكاك في ذات الحقّ تعالى ، ينزلون إلى عالم الكثرات مرّة أخرى ، وهم بالله مع جميع الموجودات ، ويدورون وَبِالحَقِّ في الخَلْقِ . وهنا تظهر آثار الاختلاف ثانيةً ، ويُشْهَد التفاوت بينها . علماً أنّ هذا الاختلاف هو غير الاختلاف السابق . فالاختلاف هناك بلا حقّ وفناء . أي : إنّ الاختلاف كان يظهر في الماهيّات بإرادة الله ، بَيدَ أنّ السالك نفسه لم ينتبه إلى هذا الفعل والأثر . لأنّ الوصول والفناء واللقاء التامّ أمور لم تحصل . بل كان يخال أنّ جميع هذه الأشياء هي منه ، ومن ترشّحات نفسه وآثارها ، وها هو قد رجع من عند الله ، وزار كعبة المقصود ، ونال لقاء الله في حرم الأمن والتجرّد المطلق مع فنائه واندكاك وجوده ، واستمتع بأنوار الجمال والجلال . لذا فهذا الرجوع هو رجوع مع المحبوب . والله معه وهو مع الله في كلّ زمان من الأزمان الطويلة ، وكلّ مكانٍ من الأماكن العريضة الواسعة . وكلّ فعلٍ من أفعال السالك هو فعل الله ، إذ حلّت إرادة الله واختياره مكان إرادته واختياره . وهو في الكثرات ، في عين التوحيد ، وفي التوحيد ، في عين انغماره في الكثرات ، وهو مع الحقّ ، وأعماله من الحقّ ، ومرجعه إلى الحقّ . جَمِيعُ أفْعَالِهِ وَسَكَنَاتِهِ يَكُونُ مِنَ اللهِ وَيُرْجَعُ جَمِيعُهَا إلَى اللهِ . ويستبين ممّا ذكرنا جيّداً ما يأتي : أوّلًا : أنّ الأئمّة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهم أكمل المخلوقات وأفضلها في عالم التكوين والتشريع ، قد طووا الأسفار العرفانيّة الأربعة حتماً ، لأنّه إذا لم يُطْوَ أحدها ، فهذا يعني أنّ السالك الذي طواها كلّها سيكون الأعلم بالنسبة إليهم ، وهذا محال بسبب ما يتّصفون به من حقّ الاستاذيّة والتعليم وتفوّقهم على جميع الخلائق .